بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.
الحمد لله الذي افتتح القرآن الكريم بسورة الفاتحة، فكان استئناف العمل بها السنةَ الرابحة، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تجعل نفوسنا صائبة صالحة، وترد إلى الصواب منها الخاطئة الطالحة، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صاحب الأخلاق الطيبة الفائحة، فاز من اقتدى به فنال الأعمال المادحة، وخسر من خالفه فنالت منه الأعمال القادحة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الأعمال الناجحة، وعلى التابعين لهم بإحسان ما دامت الكواكب في جو السماء سائرة وسابحة...
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون، أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
قدمنا لكم أن الجمعة الماضية هي التي تمت بها لي ثلاثون سنة من الخطابة في هذا المسجد؛ واليوم سنفتتح بإذن الله ما بعد الثلاثين سنة بما فتح الله به كتابه تبركا بنفحاته، والتماسا لبركاته، نستأنف ما بعد الثلاثين سنة بنفحات سورة ما من مسلم إلا ويستظهرها بلسانه، إلا ويحفظها في صدره، تلكم هي سورة الفاتحة نستجلي فوائدها ونستدر فواتحها، لنصل إلى قلوبنا بنفحاتها؛ قال الرسولﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ فاتحة الكتاب».
ماذا تعرف -أيها الأخ المسلم- عن الفاتحة وأنت تصلي بها كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل؟ ما مدى علمك بمعاني آياتها السبع المثاني؟ هل كنت ممن يتدبرها ويقف عند أحكامها ويخشع قلبه في المناجاة بها؟ أم كنت من الذين تمر على ألسنتهم كما يمر الماء الزلال على الصخرة الصماء؟ هل تصل معانيها إلى قلبك فيزداد سكينة وطمأنينة؟ أم كنت من الذين لا تتجاوز حناجرهم؟
أيها الاخوة المؤمنون؛ إن الفاتحة لها أسماء متعددة، وذلك لتعدد فوائدها ومهماتها؛ تسمى: سورة الفاتحة وأم القرآن وأساس القرآن وسورة المناجاة، وسورة الحمد، والشفاء، والرقية، والشافية، والكافية، والنور، والكنز، والسبع المثاني، وسورة التفويض، وسأكتفي هنا بالوقوف عند نفحات بعض هذه الأسماء.
أولا: من أسمائها أم القرآن، وأساس القرآن؛ لأنها بمنزلة العناوين الرئيسة للقرآن كله؛ فالقرآن يشتمل على ثلاثة أمور وكل واحد من هذه الثلاثة:
الأمر الأول: العلم والإيمان وعنوانه وأساسه وأمه في الفاتحة: ثلاث آيات: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، وهذا يحتوي على ثلاث شعب: شعبة في البداية والأساس، وشعبة في الوجود والمسار، وشعبة في النهاية والمصير؛ فأساس المخلوقات لا يكون إلا بخلق الله تعالى وهو رب العالمين أي: خالقهم ومالكهم ورازقهم، ومسار وجودها لا يتحقق إلا برحمة الله تعالى وهو الرحمن الرحيم، ومصير حسابها يوم الدين لا يكون إلا بيد الله تعالى.
الأمر الثاني: العبادة والعمل؛ وذلك بامتثال ما أو جب الله علينا من واجبات، واجتناب ما نهى عنه من محرمات، وعنوانه وأساسه وأمه في الفاتحة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، وتحتوى على ثلاث شعب: شعبة العبادة، وشعبة الاستعانة، وشعبة الإخلاص؛ فالعبادة بمنزلة جسم مخها الاستعانة والدعاء، ورحها الإخلاص، والإخلاص مأخوذ من تقديم {إياك} على {نعبد} و{نستعين}، وتقديمه يدل على الحصر، وهو بمنزلة قولك: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، وهذا هو عين الإخلاص.
الأمر الثالث: النتيجة؛ فالإيمان بدون العمل لا يسمن ولا يغني، وكذلك العمل بدون الإيمان لا ينفع ولا يجدي؛ ولذلك نجد الله تعالى في كثير من الآيات يقرن بين الإيمان والعمل في اثنين وخمسين آية من القرآن الكريم، فيجعل كل واحد من الإيمان والعمل شرطا في وجود وصحة الآخر؛ بدأ من سورة البقرة في قوله سبحانه: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}، وختاما بقوله تعالى في سورة العصر: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}.
وهذه النتيجة تشتمل على ثلاث طوائف: طائفة تجمع بين الإيمان والعمل؛ فتكون على {الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، فيلزمها الشكر على الهداية، وطائفة تكون على علم تام بوجود الإيمان وصحته، ولكن مع الجحود والنكران في العمل؛ فتكون ضمن فئة {الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ}، فيلزم اتخاذ الحيطة والحذر منها، وطائفة تكون على جهل تام بالإيمان فتكون ضمن فئة {الضَّالِّينَ}؛ فتحتاج للتعليم والإرشاد حتى تعلم، وفي مثلها قال النبيﷺ: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون». وفي هذا التقسيم الثلاثي للفاتحة يقول الله تعالى في الحديث القدسي الجليل فيما روى الطبراني: «يا بن آدم أنزلت عليك سبع آيات: ثلاث لي، وثلاث لك، وواحدة بيني وبينك؛ فأما التي لي: فالحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين، والتي بيني وبينك: فإياك نعبد وإياك نستعين؛ منك العبادة وعلى العون، وأما التي لك: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليم ولا الضالين».
ثانيا: من أسماء الفاتحة أيضا سورة الصلاة وسورة المناجاة؛ لأن المسلم عندما يقف أمام الله في الصلاة ويقرأ الفاتحة يجب أن يعلم أنه في حوار مع الله عز وجل؛ تصور نفسك لو كنت في حوار مع مسؤول: أمير أو ولي أو وزير، وأنت تعلم أنه يراك ويراقبك، ما عصيت له أمرا، ولا أوغرت له صدرا، ولا أظهرت له خيانة أو غدرا، بل تتحول كلك إلى طاعته، فتكون في أوامره ونواهيه رهن إشارته، فكيف بك إذا علمت أنك في سورة الفاتحة تحاور علام الغيوب، والمطلع على مكنون الضمائر والقلوب، الذي يجب عليك أن تعبده كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك؟ أفلا تكون صالحا في نفسك، طاهرا في تفكيرك، نقيا في شعورك، تقيا في أعمالك وأخلاقك، خالصا في عقيدتك وإيمانك؟ فلم تعرض عن الله وأنت تقرأ الفاتحة؟ فلم تدعو الله تعالى وتلهو؟ فلم تستجمع مشاعرك في الصلاة لمشارعك؟ فلم تتذكر كل شيء وأنت في الصلاة إلا الصلاة؟ أنسيت أنك في حوار مع خالقك؟
وفي هذا الحوار الرباني يقول الله تعالى في الحديث القدسي الجليل فيما روى الإمام مسلم: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال: الحمد لله رب العالمين. قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال: الرحمن الرحيم. قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال: مالك يوم الدين. قال الله: مجدني عبدي أو فوض إلي عبدي. فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين. قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ضالين. قال الله تعالى: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل».
إذن أنت في حوار ومناجاة مع الله تعالى، فالموقف ليس موقف إعراض، ولا موقف لهو وغفلة، ولا موقف التفكر في مشاريع الدنيا ومشاغلها ومشاكلها التي تنتهي إحداها إلا لتبدأ أخرى؛ بل الموقف موقف حضور قلبا ومخبرا شكلا ومظهرا؛ والله تعالى يقول: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}، ويقول سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين…
الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛
ثالثا: من أسماء الفاتحة سورة الشفاء، والرقية، والشافية؛ من قرأها بملء فيه وقلبه على مريض شفاه الله؛ روى الدارمي عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبيﷺ قال: «فاتحة الكتاب شفاء من كل سم»، وفي الحديث الصحيح أن أبا سعيد رقي بها رجلا لُذِغ فذهب عنه الأذى، فقال له الرسولﷺ: «وما يدريك أنها رقية»؛ نعم إنها رقية ولكن لتقرأها أنت على نفسك وأهل بيتك، فلا تحتاج لاستعارة من يقرأ عليك القرآن للاستشفاء، فلا واسطة بينك وبين القرآن إذا كنت صالحا، والاستشفاء بالفاتحة ليس خاصا بمرض دون آخر، فبإمكانك أن تقرأ الفاتحة استشفاء وأنت متجه إلى المستشفى، أو تُجْرَى لك عملية عند طبيب، وليس هناك أمراض خاصة بالأطباء وأمراض خاصة بالقرآن الكريم؛ فالرقية ليس مهنة ولا حرفة يقوم بها البعض دون الآخر، فلا يستغفلنك من يدعي أنه يتقن الرقية ويصارع الجنون والعفاريت، فمتى اتخذ الصحابة رضوان الله عليهم الرقية حرفة لاستجلاب الأموال؟ ومن هؤلاء الراقون الذين يجتمع الناس حول بيوتهم صفوفا ينتظرون دورهم؟ أليست هذه بدعة ضلالة؟ من أي كلية أو جامعة أو جامع أو مدرسة تعلموا؟ من أين تخرجوا حتى يختصوا بالرقية دون غيرهم؟ كأن الآيات القرآنية عندهم علب في رفوف الصيدلة؛ كل آية والمرض التي تصلح له عندهم بحيث لا تستعمل في غيره؛ والطامة الكبرى حينما يرقِي أحدهم امرأة؛ بحيث لا يترك مكانا من جسدها إلا ولمسته يداه الراقيتان؛ يوهمها بأنه يطارد جنيا متمردا في جسمها من هنا وهناك، وهو في الحقيقة إنما تطادره شهوته، وفي النهاية يدعي أن بها مسا؛ نعم في هذه صدق وكذب، بها مس الإنس وليس مس الجن...
ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكرا لكم