¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤ مدونة إسلامية للسيد* مصطفى عماد بن الشيخ الحسين * تالمست المغرب
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

2019/02/21

خطبة الجمعة ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ)

Print Friendly and PDF
الخطبة الاولى
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيرًا، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ( [آل عمران:102]، )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( [النساء:1]، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا( [الأحزاب:70-71].
أَمَّا بَعْدُ:
فَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الكَلِمَةَ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا بِلِسَانِهِ شَأْنُهَا عَظِيمٌ،  وَخَطَرُهَا جَسِيمٌ، فَرُبَّ كَلِمَةٍ تَرْزُقُهُ أَحْسَنَ المَسَالِكِ، وَرُبَّ كَلِمَةٍ تُورِدُهُ شَرَّ المَهَالِكِ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
لِذَلِكَ كَانَ لِلِّسَانِ أَثَـرٌ عَلَى جَمِيعِ الأَعْضَاءِ، فَإِمَّا أَنْ يُهْلِكَهَا أَوْ يُنْجِيَهَا؛ فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ [أَيْ: تَخْضَعُ لَهُ]، فَـتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا» [رَوَاهُ التِّـرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ].
وَمَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ وَالسَّلَامَةَ، فَلْيَكُفَّ عَلَيْهِ لِسَانَهُ، إِلَّا مِنْ خَيْرٍ يُعْلِي شَأْنَهُ؛ فَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ].
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَثِيرًا مِنْ أُمُورِ الإِسْلَامِ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟، قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ].
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ:
لِهَذِهِ الأَحَادِيثِ وَهَذَا الوَعِيدِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى، وَأَنْ يُدَقِّقَ وَيُعِيدَ النَّظَرَ فِيمَا يَقُولُهُ وَيَتَلَفَّظُ بِهِ؛ فَإِنَّ العَبْدَ أَحْيَانًا يَقُولُ كَلِمَةً لَا يَحْسُبُ لَهَا حِسَابًا، تَكُونُ عِنْدَ اللهِ جُرْمًا عَظِيمًا، وَإِثْمًا كَبِيرًا؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
فَعَلَى المُسْلِمِ -عِبَادَ اللهِ- أَنْ يَمْلِكَ وَيُمْسِكَ عَلَيْهِ لِسَانَهُ، وَأَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّلَلِ وَالخَطَلِ؛ فَإِنَّهُ مَسْؤُولٌ عَنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، )مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌﱡ  ( [ق:18].
وَقَدْ تَكَفَّلَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالجَنَّةِ لِمَنْ حَفِظَ لِسَانَهُ وَفَرْجَهُ مِنَ الوُلُوجِ فِي الحَرَامِ قَوْلًا وَفِعْلًا؛ فَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: »مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ« [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
بَلْ جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَلَامَاتِ المُسْلِمِ الصَّادِقِ فِي إِسْلَامِهِ: كَفَّ لِسَانِهِ وَيَدِهِ عَنْ أَذَى النَّاسِ؛ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: »مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ« [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
عِبَادَ اللهِ:
وَلَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَشَدَّ النَّاسِ عِلْمًا بِخَطَرِ اللِّسَانِ؛ لِذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (مَا شَيْءٌ أَحَقُّ بِطُولِ سِجْنٍ مِنَ اللِّسَانِ)،  وَعَنِ الأَوْزَاعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ -رَحِمَهُ اللهُ- بِرِسَالَةٍ لَمْ يَحْفَظْهَا غَيْرِي وَغَيْرُ مَكْحُولٍ: (أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ المَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ،  وَمَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ فِيمَا لَا يَنْفَعُهُ)،  فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي كَلَامِكَ مَنْفَعَةٌ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا فَالْزَمِ الصَّمْتَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ سَلَامَةٌ،  وَالسَّلَامَةُ لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ، وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِلِ:

إِنْ كَانَ يُعْجِبُكَ السُّكُوتُ فَإِنَّــهُ      قَدْ كَانَ يُعْجِبُ قَبْلَكَ  الأَخْيَارَا

وَلَئِنْ نَدِمْتَ عَلَى سُكُوتِكَ مَرَّةً      فَلَقَدْ نَدِمْتَ عَلَى الكَلَامِ مِرَارَا

إِنَّ السُّكُوتَ سَلَامَـــةٌ وَلَرُبَّمَـا      زَرَعَ  الكَلَامُ عَدَاوَةً وَضِرَارَا

فَكَمْ هَلَكَ مِنْ إِنْسَانٍ بِسَبَبِ جُرْأَتِهِ عَلَى قَوْلِ البَاطِلِ، أَوْ تَجَاسُرِهِ عَلَى خَوْضِهِ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَعْنِيهِ! فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ، وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ، فَيَقُولُ: أَقْصِرْ. فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ. فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟! فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا، أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟! وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].

فَعَلَى العَبْدِ أَنْ يَتَعَلَّمَ دِينَهُ؛ لِيَلْقَى رَبَّهُ طَاهِرًا مِنَ الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ وَالذُّنُوبِ؛ فَإِنَّ الإِنْسَانَ مُحَاسَبٌ عَلَى اعْتِقَادَاتِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، )وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا( [الإسراء:36].

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ؛ فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.

عِبَادَ اللهِ:

لَمَّا كَانَ إِطْلَاقُ اللِّسَانِ فِيمَا لَا يُرْضِي الرَّحْمَنَ، سَبَبًا عَظِيمًا مِنْ أَسْبَابِ حُصُولِ الخُسْرَانِ، وَجَبَ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ أَنْ يَحْذَرُوا مِنَ الوُقُوعِ فِي مَعَاصِي اللِّسَانِ؛ فإِنَّ الأَقْوَالَ الخَاطِئَةَ وَالْكَلِمَاتِ الْبَاطِلَةَ الَّتِي قَدْ تَصِلُ إِلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ تَعَالَى كَثِيرَةٌ وَعَدِيدَةٌ، بَلْ تَتَجَدَّدُ وَتَتَعَدَّدُ كُلَّمَا ازْدَادَ النَّاسُ جَهْلًا وَابْتِعَادًا عَنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُجَانَبَةً لِأَهْلِ العِلْمِ وَسُؤَالِهِمْ.

فَإِيَّاكُمْ - عِبَادَ اللهِ - وَالأَلْفَاظَ الشِّرْكِيَّةَ، كَدُعَاءِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَالِاسْتِغَاثَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِالْمَخْلُوقِينَ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ؛ كَدُعَاءِ الْمَقْبُورِينَ وَالأَوْلِيَاءِ، وَسُؤَالِ السَّحَرَةِ وَالعَرَّافِينَ وَالكُهَّانِ، )إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ( [المائدة:72].

وَإِيَّاكُمْ وَشَهَادَةَ الزُّورِ وَالنَّمِيمَةَ وَالْغِيبَةَ، وَهِيَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ( [الحجرات:12].

وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ المُزَاحِ؛ فَفِي حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: »وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ« [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ].

عِبَادَ اللهِ:

يَتَسَاهَلُ بَعْضُ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ اللَّعْنِ وَالسَّبِّ، بِحَيْثُ يَلْعَنُ وَيَسُبُّ غَيْرَهُ جَادًّا وَمَازِحًا؛ فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ« [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].

وَاحْذَرُوا غَايَةَ الحَذَرِ مِمَّا يُفَرِّقُ المُجْتَمَعَاتِ، وَيُورِثُ البَغْضَاءَ وَالْخِلَافَاتِ، وَخُصُوصًا بَيْنَ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ، كَالطَّعْنِ فِي الْوُلَاةِ عَلَى المَنَابِرِ، وَذِكْرِ مَسَاوِئِهِمْ فِي المَجَالِسِ وَالمَحَافِلِ، وَنَشْرِ الشَّائِعَاتِ الكَاذِبَةِ وَالدَّعَاوَى المُغْرِضَةِ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنْ أَسْبَابِ خُرُوجِ الرَّعِيَّةِ عَلَى وُلَاتِـهِمْ، فَتَحْصُلُ الفَوْضَى وَيَذْهَبُ الأَمْنُ وَالأَمَانُ؛ فَالخُرُوجُ عَلَى الْوُلَاةِ سَبَبُهُ الأَعْظَمُ الخُرُوجُ بِاللِّسَانِ؛  فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (أَمَرَنَا أَكَابِرُنَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا نَسُبَّ أُمَرَاءَنَا، وَلَا نَغُشَّهُمْ، وَلَا نَعْصِيَهُمْ، وَأَنْ نَتَّقِيَ اللهَ وَنَصْبِرَ فَإِنَّ الأَمْرَ قَرِيبٌ).

عِبَادَ اللهِ:

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ حِفْظِ اللِّسَانِ: أَنْ تَشْغَلَهُ بِطَاعَةِ ذِي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، وَتُمْسِكَهُ عَنِ فُضُولِ الكَلَامِ؛ قَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي بَيَانِ فَضَائِلِ ذِكْرِ اللهِ: (أَنَّهُ سَبَبُ اشْتِغَالِ اللِّسَانِ عَنِ الْغِيبَـةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْكَذِبِ وَالْفُحْشِ وَالبَاطِلِ؛ فَإِنَّ العَبْدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذِكْرِ أَوَامِرِهِ، تَكَلَّمَ بِهَذِهِ المُحَرَّمَاتِ أَوْ بَعْضِهَا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى السَّلَامَةِ مِنْهَا البَتَّةَ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى).

نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَعْصِمَنَا مِنَ الزَّلَلِ، وَيَهْدِيَنَا لِأَحْسَنِ القَوْلِ وَالعَمَلِ؛ إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيْهِ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ ورَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالأَئِمَّةِ المَهْدِيِّينَ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالفَوْزَ بِالجَنَّةِ وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالْـمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالـمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ المُوَحِّدِينَ، وَاصْرِفْ عَنَّا كُلَّ شَرٍّ وَسُوءٍ في الدُّنْيَا وَالدِّينِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ احْفَظْ أَمِيرَ البِلَادِ وَوَلِـيَّ عَهْدِهِ، وَوَفِّقْهُمَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنًّا، سَخَاءً رَخَاءً، دَارَ عَدْلٍ وَإِيمَانٍ، وَأَمْنٍ وَأَمانٍ، وَسَائِرَ بِلَادِ الْـمُسْلِمِينَ، وَآخِرُ دَعْوَانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكرا لكم